السيد عباس علي الموسوي

21

شرح نهج البلاغة

وتبقى عليه تبعته وحسابه ) هذا عود إلى تحذير الناس وتنبيههم إلى الغاية القصوى التي يجب أن يسعوا من أجلها فنادهم بلفظ العبودية التي هي أشرف لقب لهذا الإنسان قائلا : اللّه اللّه راقبوه واتقوه في أعز الأنفس عليكم وهي أنفسكم التي هي أغلى من كل نفس أخرى للناس وأحبها إليهم فإن الإنسان يحب نفسه أولا ويحب لها الخير وكل ما يسعدها وبعد ذلك ينتقل إلى الآخرين . . . ثم أراد أن ينبههم إلى أن اللّه قد قطع حجة من يحتج عليه بعدم البيان بأنه سبحانه قد أوضح طرق الحق وكل ما يوصل إلى الحق وجعل طرقه واضحة عليها نور يهتدي إليه من أحب الهداية وأراد الخروج من الظلمات وبعد بيان طريق الحق وإيضاحه للناس فالناس عندها بين أمرين إما إلى شقاء لازم لهذا الإنسان لا يفارقه ولا ينفك عنه لأنه لم يمش على الصراط المستقيم ولم يهتد إلى نور الإيمان وإما إلى سعادة دائمة لا يتحول عنها ولا ينتقل منها وذلك لاهتدائه إلى الحق واقتفائه أثره والعمل بما أحب اللّه وأراد . . . وبعد هذا أمرهم أن يتزودوا من دار الدنيا الفانية يتزودوا التقوى والعمل الصالح والقيام بالواجبات واجتناب المحرمات إلى الدار الباقية التي هي الآخرة والتي يكون فيها الاستقرار والدوام والبقاء . . . ثم أراد أن يخفف عنهم قليلا فبين لهم أن زاد الآخرة قد بينه اللّه على ألسنة رسله ومن بعثهم من أنبياء ومبشرين ومنذرين وقال للناس : سارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ . . . ومع الدلالة على الزاد أمرنا بالرحيل عن الدنيا ودفعنا للخروج منها والسير عنها حتى لا نظن البقاء فيها أو الاستقرار في رحابها ثم شبه الناس وإقامتهم في الدنيا بقوم في سفر قد أناخوا بركبهم قليلا ولا يدري متى يؤمرون بالرحيل فعلى أبناء الدنيا الذين يعيشون فيها أن يكونوا على استعداد دائم ويتزودوا للرحيل فلا يدرون متى يؤمرون بالرحيل عن الدنيا والخروج منها إلى الآخرة . ثم نفّر عن الدنيا بالاستفهام الإنكاري على طلابها والراغبين فيها بأنه ما ذا يصنع بالدنيا الفانية الزائلة من خلق للآخرة فعلى الإنسان أن يسعى لما خلق من أجله وقد خلقنا من أجل الآخرة فعلينا الزهد في الدنيا والترك لها والنظر إلى الآخرة والسعي لها . وبعد أن نفر من الدنيا بصورة عامة خصص المال ونفر منه لتعلق الناس به وطلبهم له وبيّن لهم أن المال مهما سعى الإنسان من أجله فإنه سيتخلى عنه وسيتركه خلفه في الدنيا ويتوجه إلى الآخرة بدونه ولكن آثاره وحسابه ستبقى عليه فإنه سيقف أمام اللّه ليسأله عنه من أين جناه هل من حل أم من حرام وأين كان يضعه هل في حلال أم حرام . . .